ياسمين لعبي
غداة مباراة المغرب وهولندا برسم بطولة كأس العالم 2026، اجتاح منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يزعم أنه يوثق تعرض طفل جزائري لاعتداء بسبب ارتدائه قميص منتخب بلاده، ما أثار موجة واسعة من التفاعل والاستنكار. وفي المقابل، انتشرت روايات تشكك في الحادثة، تدّعي أن الفيديو مفبرك أو أنه يعود إلى مونديال قطر 2022. فما الذي تكشفه الأدلة المتاحة عن حقيقة هذه الواقعة؟
“فيديو من مونديال قطر”
استندت منشورات (أرشيف) متداولة على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع إخبارية (أرشيف 1 2)، إلى صورة قيل إنها مأخوذة من مقطع الفيديو الذي يوثق الحادث، وادعت أن ظهور شعار كأس العالم قطر 2022 في خلفية المشهد يثبت أن الواقعة قديمة ولا علاقة لها بمباراة المغرب وهولندا في مونديال 2026.


غير أن التحقق من هذا الادعاء يكشف أن الصورة نفسها تعرضت للتلاعب. إذ أنه بمقارنة الصورة المتداولة مع الفيديو الأصلي الذي يظهر فيه الطفل وسيم كركوش وهو يتحدث إلى أحد المشجعين المغاربة في الموقع نفسه، يتبين أن شعار مونديال قطر لا يظهر في الخلفية، ما يرجح أنه أضيف لاحقا إلى الصورة لإيهام المتابعين بأن المشاهد تعود إلى نسخة 2022 من كأس العالم.
كما أن مشجعا مغربيا نشر مقطعا مصورا بعد انتشار الحادثة يوضح فيه أنه من صور جزءا من الفيديو المتداول، والذي يظهر فيه الطفل “وسيم” يتحدث في الفيديو. وهو صانع محتوى يتابعه أكثر من 300 ألف شخص على منصة “إنستغرام” ويقيم في الولايات المتحدة، وأعرب عن استيائه مما تعرض له الطفل، مؤكدا أن الواقعة حدثت في بوسطن عقب مباراة المغرب وهولندا يوم 30 يونيو الماضي.
“فيديو الاعتداء مفبرك”
لم يقتصر التشكيك في الواقعة على الادعاء بأن الفيديو قديم، بل ذهبت المنشورات (أرشيف) إلى الزعم بأن المقطع الذي يوثق الاعتداء على الطفل مولد بالذكاء الاصطناعي. غير أن مراجعة التسجيل، إلى جانب مقارنته بمقاطع أخرى وثقت اللحظات نفسها وما تلاها، لا تسند هذا الادعاء.
أثناء المعاينة البصرية للمقطع (أرشيف)، لا تظهر مؤشرات معروفة ترافق عادة المقاطع المولدة بالذكاء الاصطناعي، مثل التشوهات في أجسام الأشخاص أو أطرافهم، أو الاختفاء المفاجئ للعناصر، أو التغيرات غير المنطقية في الإضاءة والخلفية. كما تبدو حركة الأشخاص وتفاعلهم مع محيطهم متسقة طول مدة التسجيل، دون ظهور انقطاعات أو أخطاء بصرية توحي بأن المشهد جرى توليده رقميا.
ويعزز ذلك مقطع (أرشيف) آخر نشره موقع Le7tv، يظهر الطفل بعد استعادته وعيه في الموقع نفسه، بينما يحيط به عدد من المشجعين المغاربة محاولين مساعدته وتهدئته عقب الحادث.
ويقدم هذا التسجيل زاوية مختلفة للأحداث، ويوثق مرحلة لاحقة مباشرة لما يظهر في الفيديو المتداول، بما يتسق مع تسلسل الوقائع، ويضعف الادعاء بأن مشهد الاعتداء برمته مولّد أو مفبرك.
أين وقع الحادث؟
تضاربت الروايات بشأن مكان تصوير الفيديو، إذ ذهبت بعض المنشورات (أرشيف) إلى الادعاء بأن الحادث لا يمكن أن يكون قد وقع في بوسطن، مستندة إلى أن منطقة المشجعين (Fan Zone) أغلقت بعد انتهاء دور المجموعات، ولم تعد تستضيف عروضا جماهيرية للمباريات. غير أن التحقق من موقع التصوير يكشف أن هذه الفرضية تنطلق من افتراض خاطئ، إذ لم توثق المقاطع داخل منطقة المشجعين في City Hall Plaza، وإنما في فضاء تابع لسفينة The Tall Ship الواقعة في شرق بوسطن.
وبمقارنة العناصر الظاهرة في الفيديو، مثل تصميم المنصة، والحواجز، والإطلالة على الواجهة البحرية، مع صور الموقع على خرائط جوجل، تتطابق هذه المعالم مع موقع The Tall Ship. كما تظهر منشورات الحساب الرسمي للمكان على إنستغرام أنه ينظم عروضا جماعية لمباريات كأس العالم.

ماذا تكشف الأدلة عن ملابسات الاعتداء؟
تتفق المقاطع المصورة والشهادات المتوفرة على أن الطفل “وسيم كركوش” تعرض للاعتداء خلال شجار اندلع في منطقة Tall Ship عقب مباراة المغرب وهولندا. كما يؤكد الطفل في مقابلة (أرشيف) أجرتها قناة بوسطن 25 نيوز (Boston 25 News) أنه فقد وعيه بعد تعرضه للركل والخدش إثر “اندلاع شجار وجد نفسه عالقا في وسطه”.
وفي مقابلته مع القناة، قال وسيم البالغ من العمر 14 سنة إنه كان يرتدي قميص المنتخب الجزائري أثناء تشجيعه المنتخب المغربي مع أصدقائه، مضيفا: “بدأ شجار، لكن في النهاية انقلب الجميع ضدي لأنني كنت أرتدي قميص الجزائر.” وتظل شهادة الطفل المصدر المباشر الوحيد الذي يربط الاعتداء بارتدائه قميص المنتخب الجزائري.
في المقابل، لا تتيح المقاطع المتداولة تحديد هوية الأشخاص الذين شاركوا في الاعتداء أو دوافعهم. كما تظهر تسجيلات أخرى التقطت بعد الحادث الطفل وهو محاط بعدد من المشجعين المغاربة الذين قدموا له المساعدة بعد استعادته وعيه، وهو ما يشير إلى أن المقاطع المتداولة لا توثق سوى جزء من مجريات الواقعة.
وراجع فريق التحقق البيانات والمنشورات الصادرة عن شرطة بوسطن، إلى جانب السجلات والبلاغات المنشورة المرتبطة بالحوادث الأمنية. غير أن هذا البحث لم يفض إلى العثور على أي بيان أو معطيات رسمية تتناول الواقعة، أو تحدد عدد الأشخاص المتورطين فيها وهوياتهم أو مآل أي تحقيق محتمل بشأنها.
وذكرت قناة بوسطن 25 نيوز (Boston 25 News) أن “شرطة ولاية ماساتشوستس استجابت لبلاغات عن وقوع مشاجرة في تلك الليلة، لكنها أوضحت أنه نظرًا لطبيعة الحادث وأعمار الأشخاص المتورطين فيه، فلن تُقدَّم أي معلومات إضافية”.










