تناول ثلاث ملاعق يوميا من مزيج بذور الكزبرة وأوراق الشاي يمكن أن يشفي نهائيا من مرض السكري.
تنتشر هذه الأيام على الانترنت وخصوصا في منصات التواصل الاجتماعي، معلومات “صحية” أو “طبية” ناقصة، وعلى الأرجح مضللة، على شكل نصائح ووصفات علاجية من أناس غير متخصصين، وتشكل خطرا على رواد المنصات.
في هذا التقرير، تدقيق لمقطع فيديو لوصفة بسيطة يزعم أنها علاج لمرض السكري، حقق المقطع أكثر من 12 مليون مشاهدة، على منصة تيك توك. فما مدى دقة هذا الادعاء، والأدلة العلمية والمصادر المتخصصة التي تدعمه أو تفنده؟ وهل بالفعل تناول ثلاث ملاعق يوميا من مزيج بذور الكزبرة وأوراق الشاي يمكن أن يشفي نهائيا من مرض السكري، أم أنها مجرد ترويج لآمال زائفة بعناوين مبالغ فيها لجذب المشاهدات؟
الكزبرة والشاي علاج لمرض السكري (Diabetes)؟!
لقي مقطع الفيديو، بعنوان “أحسن طريقة للتخلص من مرض السكر رجال ونساء”، رواجا كبيرا على منصة تيك توك، حيث حصد 12 مليون مشاهدة، ويبدأ الفيديو مباشرة دون مقدمات، حيث تظهر سيدة جالسة على الأرض تحت ظل شجرة، وأمامها كأس يحتوي على أوراق الشاي، المعروفة محليًا بـ”الشاي شعرة”، وكأس آخر مملوء بحبوب الكزبرة التي تصفها بأنها “بلدية” أي طبيعية.
تشرح المرأة في المقطع طريقة تحضير الوصفة، حيث توصي بطحن بذور الكزبرة مع أوراق الشاي، وأخذ ثلاث ملاعق صغيرة من هذا الخليط قبل كل وجبة رئيسية. وتؤكد أن هذه الوصفة قادرة على شفاء المصابين بالسكري “غير الوراثي” بشكل كامل على حد تعبيرها.

هل حقا يوجد علاج نهائي لمرض السكري؟
داء السكري هو عبارة عن اضطراب في إنتاج الطاقة داخل الجسم. حيث يعجز هذا الأخير عن تنظيم مستوى سكر الجلوكوز في الدم بالشكل الطبيعي، إما بسبب نقص في إنتاج هرمون الأنسولين، أو بسبب مقاومة الخلايا لعمل الأنسولين، ويؤدي هذا الخلل إلى بقاء الدم مشبعا بالسكر دون أن تستفيد منه الأعضاء كمصدر للطاقة، وعندها يشخص المريض بالإصابة بداء السكري.
وللسكري أشكال متعددة، لكن الأكثر شيوعًا هما النوع الأول، وهو مرض مناعي ذاتي يهاجم فيه جهاز المناعة خلايا بيتا المسؤولة عن إفراز الأنسولين في البنكرياس، ويعتبرها جسما غريبا، مما يؤدي إلى تراجع إفراز الأنسولين أو انعدامه بحسب شدة الهجوم، ويحتاج هذا النوع إلى علاج مدى الحياة بحقن الانسولين، وغالبا ما يظهر في الطفولة أو المراهقة، لكنه قد يصيب أي فئة عمرية.
والنوع الثاني، يرتبط أساسا بنمط الحياة والبيئة، وإن كان للعامل الوراثي دور جزئي في زيادة قابلية الجسم للإصابة بالمرض؛ وهو يظهر غالبا عند من يعانون السمنة، أو نتيجة قلة النشاط البدني، أو العادات الغذائية غير الصحية، وفي هذا النوع يكون الأنسولين موجودًا، لكن الخلايا لا تستجيب له بشكل فعال، وهو ما يعرف بمقاومة الأنسولين، وبالتالي يضطر البنكرياس حينها إلى إفراز كميات أكبر من الأنسولين للتعامل مع الجلوكوز، وفي الغالب تتم السيطرة عليه من خلال الحمية الصحية، والنشاط البدني، والنوم المنتظم، أي عبر اعتماد نمط حياة متوازن، دون الحاجة بالضرورة إلى الحقن بالأنسولين، ولكن هذا لا يعني الشفاء التام من المرض.
رغم قدرة العلم على فهم الخلل الذي ينتج عن الإصابة بالسكري، لكنه إلى الآن لم يتمكن من توفير علاج نهائي لهذا الداء، سواء بالأدوية الصيدلية أو التغذية، بينما لا تزال نتائج الدراسات الحديثة غير حاسمة، ومعظمها تجارب أجريت على الفئران، بعكس ما تروج الفيديوهات والعناوين المبالغ فيها على منصات التواصل الاجتماعي.
ماذا يقول العلم حول خلط أوراق الشاي وبذور الكزبرة كعلاج نهائي للسكري؟
بعد البحث والتحقق من المصادر العلمية المتخصصة، لم نجد أي دراسات علمية محكمة حول وصفة لدمج بذور الكزبرة و خلطها مع أوراق الشاي لعلاج مرض السكري. أما بالنسبة لكل مكون على حدة، فالدراسات التي أجريت إلى الآن كثيرة، إلا أن معظمها لا زال يجرى على عينات محدودة من الحيوانات وداخل المختبر، ولازالت تعتبر مجرد بدايات رغم النتائج الإيجابية التي أظهرتها التجارب.
ورغم ذلك، فهذه الدراسات لا تزعم علاج مرض السكري، ولا تعويض العلاج أو الأدوية الطبية، ولا تتجاوز كونها تقترح مكملات للأدوية أو سبلا للوقاية من المرض، على أن تكون تحت الرعاية المباشرة للطبيب المختص بالنسبة للمرضى.
بالنسبة لبذور الكزبرة، أجرى باحثون في المجلس المركزي للبحوث في العلوم الايورفيدية بالهند، دراسة علمية نشرت في فبراير 2025، في المجلة الدولية لعلم الأدوية الأساسية والسريرية، حيث وجد الباحثون أن الكزبرة (Coriandrum sativum)، تساعد في التخفيف من ارتفاع سكر الدم، والاضطرابات الذهنية، وتساعد في تحفيز إفراز الأنسولين، وزيادة امتصاص الجلوكوز في الأنسجة والحد من انزيم a-Glucosidase، وتجديد خلايا البنكرياس.
كما تساعد هذه البذور على خفض الدهون من خلال خفض مستوى الكوليستيرول والدهون الثلاثية، بالإضافة إلى رفع الكوليسترول المفيد HDL، وتقي من المضاعفات المصاحبة لمرض السكري عبر حماية الكبد، من خلال خفض إنزيمات الكبد وتقليل الضرر التأكسدي، كما تساعد في حماية الكلى من خلال خفض مستويات الكرياتينين واليوريا وحمض اليوريك، وأيضا حماية الأعصاب عبر تخفيض الالتهابات والإجهاد التأكسدي.
وتوضح هذه الدراسة أن الكزبرة لا تناقض الأدوية التي توصف لمرضى السكري، مثل الميتفورمين، بل على النقيض، استعمالهما معا يزيد من خفض نسبة السكر.
دراسة علمية أخرى، نشرت في شهر غشت 2023. أجريت على عينة من الفئران، ركزت على تأثير مستخلص ثمار الكزبرة في تخفيف الأضرار الناتجة عن مرض السكري من النوع الأول، حيث أظهرت نتائج الدراسة أن الكزبرة يمكن أن تساعد في التقليل من تضرر بعض الأعضاء الداخلية للفئران المصابة بالسكري.

وفي دراسة علمية مخبرية ثالثة، أجريت على فئران مصابة بداء السكري، قام بها باحثون من جامعة اوليستر (Ulster) ببريطانيا عام 1999، ونشرت في المجلة البريطانية لعلم التغذية (British Journal of Nutrition)، بشأن تأثير الكزبرة على الأنسولين في الجسم، خلصت -الدراسة- إلى أن إضافة الكزبرة، إلى غذاء وماء الفئران المصابة بمرض السكري، ساهمت في خفض مستويات السكر في الدم، كما أن المستخلص المائي للكزبرة مضاد لارتفاع سكر الدم، ويشجع خلايا بيتا على إفراز كميات أكبر من الأنسولين، وخفض مستوى الجلوكوز في الدم عند الفئران.
حبوب الشاي
أظهرت دراسة علمية، نشرت في يناير الماضي، أن الشاي الأخضر أو الشاي الأسود، يساعدان في منع تلف الكبد والكلى الناتج عن فرط سكر الدم لدى الفئران، ويخففان من أعراضه.
وفي مراجعة شاملة لأهم التجارب والدراسات المحكمة المنشورة في قواعد البيانات، والتي أجريت ابتداء من 2010، ثبت أن جميع أنواع الشاي تحتوي على مكونات مضادة للسكري مثل البوليفينولات (Polyphenols)، والبوليسكاريدات (Polysaccharides) والأحماض الأمينية (مثل L-theanine)، والتي تفيد في تثبيط إنزيمات هضم الكربوهيدرات (α-amylase, α-glucosidase)، وتحسين حساسية الأنسولين، و تعديل التوازن بين الدهون (antilipidemic effects)، بالإضافة إلى تعزيز مضادات الأكسدة وتقليل الإجهاد التأكسدي المرتبط بالسكري.

وأظهرت نتائج هذه الدراسة أن تناول الشاي، بمختلف أنواعه، يؤدي إلى تحسين تحمل الجلوكوز وحساسية الأنسولين، مما يساعد الخلايا على امتصاص السكر، وخفض مستويات الكوليسترول الضار (LDL) والدهون الثلاثية، ورفع مستويات الكوليسترول النافع (HDL)، كما يساعد في الحماية من مضاعفات السكري مثل تلف الكبد والقلب والخصوبة.
وخلصت الدراسة إلى أن وضع الشاي ضمن النظام الغذائي اليومي، كمكمل غذائي، فعال لدعم الصحة والوقاية من السكري. لكن وعلى الرغم من غزارة التجارب والدراسات المختبرية والحيوانية، إلا أن التجارب السريرية لازالت محدودة، والتقدم في هذا الباب يعد مفصليا في حسم القرار العلمي حول هذه المسألة.
بعد بحث معمق، لم نعثر على أي دراسة محكمة لوصفة طبية، أو بروتوكول علاجي، يجمع بين الكزبرة والشاي معا للحصول على علاج كامل من مرض السكري، كما يروج الادعاء، بل تعتبر عناصر غذائية مكملة، إلى جانب العلاجات والأدوية الطبية التي يتم وصفها لمرضى السكري، كما أن نتائج الدراسات العلمية الحالية اعتمدت على تجارب أجريت على الحيوانات ودراسات مختبرية، وما تزال بحاجة إلى دراسات أكثر وعلى الخصوص السريرية منها.






